جلنكا قاليك البلاجي : الرسم والخزف، المغامرة ؟!
كتبهااحميده الصولي ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 13:14 م
أقيم بفضاء النادي الثقافي الطاهر الحداد بالعاصمة، معرض الفنانة جلنكا قاليك البلاجي، في الفترة الممتدة من 14/9 إلى
غاية 30/10/2009. ضم المعرض خمسين لوحا من الخزف متقاربة الأحجام. يتكون كل لوح من وحدات صغيرة الحجم تتراوح ما بين 300 وحدة و1500 وحدة بكل لوح. لكل وحدة منها موضوع، ولكل مجموعة وحدات ذات لون واحد أو متقاربة الألوان، محور أو عدد من المحاور، ويتكون اللوح الواحد غالبا من محاور متعددة. وبرغم أن أعمالها من الخزف، فإننا نلتقي فيها النحت والرسم والتشكيل الهندسي، من خلال عدد من المواضيع غير قابل للإحصاء تقريبا. ولكننا نصافح أعمال هذه الفنانة باعتبارها أعمالا من الخزف، وفي ذهننا مقولة هربرت ريد : "الخزف هو الفن الأبسط لأنه الأكثر بدائية، وهو الأصعب لأنه أكثر الفنون تجريدا". ولكن جلنكا هنا حولته إلى محامل ترسم عليها ما شاءت من المواضيع بدقة متناهية، حتى ليكاد المرء يتيه في حيرة من صبرها وتجميعها لهذا العدد الكبير من "الوحدات" ذات المواضيع المختلفة لما يزيد على الخمسة عشر ألف وحدة. وننطلق من التعريف بهذه الفنانة :
ولدت جلنكا البلاجي بكرواتيا سنة 1950، درست بمدرسة الفنون الجميلة بتونس حيث حصلت على الأستاذية سنة 1980 والدكتوراه سنة 1988. أقامت أول معرض شخصي لها تحت عنوان ‘اكتشاف’ سنة 1993 برواق الشريف للفنون بسيدي أبي سعيد ؛ أما معرضها الثاني فقد أقامته بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات سنة 1994. وقد عرضت بالدوحة في قطر سنة 1998 كما عرضت بروسيا وكرواتيا وبعديد الأروقة التونسية.
شاركت في عديد المعارض الجماعية ببلغراد وفرنسا ودار السلام، كما شاركت في المهرجان العالمي للسيراميك بروسيا. انضمت إلى هيئة التدريس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس وبالمعهد العالي للشباب ببئر الباي، ثم بالمركز الوطني للخزف الفني بتونس.

بين اختيار التربة المناسبة وعجن المواد وتهيئتها للحرق، ثمة رحلة عبر اللمس والتفكير والتعبير الذي قد يصل إلى سطح اللوح وقد يرسب في ثنايا اللاوعي ؛ في غمرة تزاحم الحالات وتدفق الإحساس بها، تبرز حالة المبدع وهو يصارع رعونتها في محاولة لتنظيم حركتها وكبح انفعالاتها، فإذا هو بين جموحها وتململها يرصد أيها أقرب للتعبير عن حالته النفسية، وإذا مسرح الأحداث يتداول في الآن نفسه فضاء اللوح ومساحة الوعي وما يخفق في اللاوعي، ليخرج من كل ذلك بحصيلة تقول ما أمعن في إخفائه، وما داهمه الحلم فتسلل من خلال الألوان نبضا لا تدركه الأبصار وتعيشه الأحاسيس. هكذا تبدو لي حالة المخاض الإبداعي بصرف النظر عن المادة أو المجال الفني أو الزمن.
في معرض جلنكا الحالي، وفي خضم تزاحم الحالات والمواضيع تفقد الكائنات ظلالها، والضوء ينزل بقوة كلما سمحت به حركة التداول مع الظل. يتخذ التجريد من مقولة هربرت ريد متكأ له، فيظهر جليا في تسمية أعمالها، لكأنما اختيار عنوان اللوح مسكون بها. كل العناوين مجردة حتى افتقاد الصلة بين العنوان واللوح، لكن المتفحص يجد ما يبرر التسميات برغم ذلك. هذه فنانة بقدر ما تعتمد الخبرة فهي تجند رصيدها المعرفي، ولا تتوقف عند ذلك، بل تمضي بعيدا في المغامرة، ولا تضع لها حدودا. وهي بفعلها ذاك، تضع المتلقي في خانة لا يملك الخروج منها غير الاستعداد للمغامرة أيضا. وهل أكبر مغامرة من تصفح آلاف المواضيع في عدد من الألواح ؟ لعل ذلك يستغرق المتلقي زمنا ليس بالقصير، لتتبع مراحل تشكيل الأشكال والفضاءات ودراسة توظيف الألوان ومقاربة المواضيع سواء في الفضاء اللوني أو في اللوح الواحد أو في المعرض ككل، للخروج ربما بوحدة محتملة موضوعيا، ولو في الاتجاه العمودي أو الأفقي.

من عناوين أعمالها : "صيحة عصفور" أو "ظلال نبتة" أو "البحيرة" وحتى "طيور البحر" برغم تشخيصيتها الظاهرة .. هي عناوين تجريدية تعبر عما تشير إليه حركة الأشكال والألوان وما يتزاحم فيها من الدلالات والرموز التعبيرية. كل ما في هذا المعرض ينبيء أن صاحبته تقوم بمغامرة تجر إليها المتلقي كي يقاسمها إحساسها بوعي المكابدة لتحقيق هدف أساسه الصبر، من أجل سعادة الإنسان، فهل يدرك المتلقي ذلك ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























