———————————————
البحر، ملهما للفنان التشكيلي
كيف يمكن التعامل مع موضوع نصفاه يناقض كل منهما الآخر ؟ كان هذا نقطة البداية لتبين ماهية الموضوع ومحاولة الجمع بين شقيه لتكوين وحدة يتكاملان فيها، ويصبح التناقض امتدادا أو تطورا. فالبحر سمته الحركة والتحولات، في حين أن سمة الرسم هي الثبات. ولأن البحر سابق للفن، فلعل السؤال يكون : كيف تولد الحركة من السكون ؟ وكيف يلد الثبات من التحولات ؟ ولسنا هنا بصدد البحث عن معجزة للوصول إلى جواب مقنع، أولم يقل بروتاغوراس من قبل: "الإنسان مقياس كل شيء " ؟ فالإنسان هو مصدر الحركة والسكون، ومصدر التحول والثبات. وإذا تذكرنا أن الفنان إنسان موهوب يسمو على العادي، قادر على تنظيم الفوضى وبالتالي فهو قادر على تحويل التناقض إلى تآلف، ينتهي الإشكال ويلوح الامتداد والتكامل، وهكذا يتأكد أن الفنان هو صاحب المعجزات الإبداعية.
حين علمت بموضوع الندوة لم أفاجأ كثيرا، ذلك أن البحر يمثل مصدر إلهام للعديد من الفنانين، وبالتالي فإن ورشات هذا المهرجان يمكن أن تتحول إلى بحار ومحيطات تتجسد فيها مشاهد لحالات البحر في كل ظروفه وتقلباته. ولم أكن لأبحث عن موضوع للغرض، لأن البحر كان ولا يزال ملهما للمبدعين، سواء في الفن التشكيلي أو الشعر أو السنما…. لذلك ارتأيت أن تكون مداخلتي بعنوان : "البحر ملهما للفنان التشكيلي".
الفنان المبدع إذن هو إنسان أولا، ولأنه كذلك فلا شك أنه في تفاعل مع الكائنات الحية ومنها هذا الكائن الرهيب، المتقلب أعماقا حينا، والهادئ سطحا أحيانا ، والحامل لأمارات الرهبة وعلامات الاطمئنان. فمن منا لم يشاهد البحر في أوضاع مختلفة ؟ حالات الهدوء والاضطراب، حالات المد والجزر، حالات الانشراح وحالات الغضب ؟ وفي حالاته المشرقة، ألم نشاهد تعدد ألوان الطيف كيف تتراقص على سطحه؟ ولكن، ألم تنعكس السماء بسحبها على البحر فتصبح أعماقه مظلمة وتلوح على سطحه بقع كأنما هي مواقع على خارطة تحمل دلالات بعينها ؟ ومن راقب ظهور الشمس أو اختفاءها على صفحة الماء، فلا شك أنه رصد تعدد الألوان وتغيراتها، وفق تدرّج الضوء وتغيراته، منعكسا على الماء. أما وحشة الأعماق فإنها حتما تجسدت أمامنا ذات شتاء، أو ذات حادث أو حتى في أحد الأشرطة الوثائقية، والموج يرتفع إلى الأفق. إضافة إلى ما تختزنه الأعماق من مخبآت : ضحايا وأمتعة وتلوث، وأيضا من نبات وأشجار وحيتان عظيمة حية تارة، وأخرى ميتة يلقي بها البحر أحيانا على الشاطئ. أليس البحر مصدرا من مصادر الحياة بما يحتوي عليه من الغذاء والطاقة وما يتيحه من الراحة والغبطة والانشراح ؟ وفي المقابل، أليس البحر مصدرا لانقباض النفس والقلق والتشنج والخوف والأهوال الرهيبة حتى الموت ؟ فلندع البحر وحالاته المتناقضة، ونشرع في تتبع آثاره في مهده الثقافة الغربية (القسم الأول) ثم نتحسس صداه في الثقافة العربية من خلال مبدعين تونسيين (القسم الثاني) من هذه المداخلة.
القسم الأول : رسم البحر في الثقافة الغربية
1- تقديم
يتخذ رسم البحر إذن مظهرين اثنين، تتجمع فيهما مختلف التفريعات الأخرى. هذان المظهران هما : التزيق والإيهام. وقد جاء رسم البحر بعد رسم المشهد والبورتريه والطبيعة الصامتة في الرسم المسندي الغربي، فكان ذا عناصر خاصة تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا، حيث شدّت الحروب البحرية وتطور الملاحة التجارية اهتمام المبدعين والهواة إلى البحر.
‘هل يمكننا رسم البحر ؟ لا أقصد سواحله وأمواجه وسماواته المتغيرة ومستحميه وسفنه وإنما الامتدادَ الأزرقَ لسطحه، الذي يبدو أن قدرته على الإغراء تكمن في ما يخفيه أو يعكسه، أي في حالة الاختفاء نفسها. كيف نرسم، بدلا من المشهد الرائع الذي يجود به علينا انطلاقا من ضفافه، الإحساسَ الأوقيانوسيَّ بعرض البحر، أو بأحلام اليقظة التي نعلل بها أنفسنا بخصوصه ؟ فعلى سطح البحر، يتجاذب الداخل والخارج مثلما يتجاذبان في ملامح شخص ما، يتحادثان، يُمغْنط أحدهما الآخر ويتّصلان. فالعمق نفسه يتصاعد ويضطرب، وصولا إلى الإهاب الوهمي للأمواج. وباتجاهه أيضا تنزل السماء وهي تغمره بنورها.
ولكي نتمكن من رسم البحر علينا إذن أن نثبت قدرتَنا على الإلمام بهيئته، وسهولة حركته، وحالاته النفسية، إن لم نقل الحلم المنتشر لهذا النسيج من الماء الأزرق الذي تنعقد حبكته في جزئه الأسفل. وحيث يجري لمعان الشمس مثل خيط… إن الرسم، كما هو معلوم، هو أوّلا وقبل كل شيء قضية جمود وتأطير وهيئة شاقولية، وهو عكس ما عليه عرض البحر تماما الذي يبدو أفقيا ولا متناهيا.. ولكن هذا لا يعني، مع ذلك، أنه لا يقدّم لنا سوى نافذة من الزرقة وجزء مخيّبٌ للآمال وخادعٌ، بل يحق له أن يدحرج سطحه بعناية لإدراك الإحساس بالعظمة نفسها فوق فضاء ضيّق الذي هو مساحة اللوحة.’
إن بعض الفنانين يدربون أنفسهم على رؤية الطبيعة نفسها، كعمل فني. فهذا موريس ستيرن بعد أن شاخ وخلف وراءه عمرا من الصور الأميـنة التفاصيل، جرب هذا الأمر فوُلد من جديد كفنان خلاق. وقد حدث ذلك كما يلي : كان ذات يوم جالسا يستريح، وهو ينقِّه أمام بيته في ‘كيبْ كود’، وكان ينظر إلى بعيد، عبر المحيط الأطلسي بمياهه الخضراء البيضاء والريح تلفعها، وإذا بنورس يحط من عَلٍ فيراه. فكَّر ستيرن : هذا الأبله! سيلطخ جناحيه بالأصباغ! [1]
2- شيء من التاريخ
كجنس مستقل، فإن الرسم البحري تم تعريفه شيئا فشيئا في الفن العربي، بعد المشهد تقريبا، وأيضا بعد رسم الوجوه والطبيعية الصامتة. لقد نما واتسع مع ذلك، ضمن نفس التطور – أي ولادة لوحة المحمل- اهتمام متزايد بالمواضيع الدنيوية، تضاف إلى ذلك عوامل نوعية، ذات طبيعة تاريخية، واجتماعية واقتصادية : الحروب البحرية (ومن قبل الحروب الصليبية) والاكتشافات وازدهار البحرية التجارية وغيرها هي التي وجهت انتباه الهواة والفنانين إلى البحر.
كان البحر عند فناني القرن الرابع عشر الإيطاليين عموما، مجرد ديكور، يُشار إليه برسوم تخطيطية لتحديد واقعة من التوراة، أو من حياة القديسين[2]. ويمثّل أ. لورنزتّي استثناء في لوحته: "هذا المشهد من حياة سان نيكولا" حيث يخصّص الجزء الكبير من اللوحة إلى البحر، عليه تتدرج القوارب إلى أبعد نقطة، ولوحة "المدينة على شاطئ البحر" التي هي من غير شكّ أحد المشاهد الطبيعية الأولى في الرسم الأوروبي، وكانت في نفس الوقت، أول المشاهد البحرية التي وصلتنا. لكن هذا التجديد الشخصي بالكامل لم يلق صدى لدى المعاصرين له أو منافسيه. وكما هو الشأن بالنسبة إلى الرسم الشعبي (رسم النوع) والطبيعة الصامتة، فإن الرسم البحري نشأ في الـ Flamands (فلمنكي أو فلمندري) وبفضل Van Eyck في لوحة بعنوان : "ساعات توازن" نلاحظ رسم البواخر الجانحة على الساحل الرملي حيث تتدفق الأمواج، والدردور يرج قارب سان جوليان St Julian، بأنها تظهر حساسية، وانتباها لأشياء البحر التي سيتبناها رسامو البحرية الهولنديون[3] حيث تمت صياغة النموذج الذي به سيتم تجاوز المرحلة الأولى الحاسمة في تحديد النوع وهو هنا : المشهد النهري[4].
وفي إيطاليا تبنّى عدد من الفنانين[5] المشهد النهري، في حين اهتم ليوناردو دي فنتشي بتكون المياه، وصخب الأمواج والمد والجزر باعتبارها ظاهرة طبيعية، وفضل رسامو البندقية الأفق البحري كما نرى ذلك عند كرباشيو (سيرة القديسة Ursule) وبلليني، الذي أُعجب Vasari بلوحته "معركة بحرية" للاسلوب الذي عبر به الرسام عن الدراما المائية حيث الأمواج تحت جآجيء السفن الشراعية الحربية.
لكن اللوحات البحرية بالمعنى الدقيق ظهرت في هولندا مع كورنليس أ.[6] الذي رسم أسطولا برتغاليا جاهزا للإبحار (متحف غرينويتش) ولوحة "العاصفة " مع بروغل الأول l’Ancien (متحف فيينا). كما تدخل أيضا رسامو التاريخ، Vermeyen نحو 1535 مع لوحته إنزال شارل كانت Charles Quint بقرطاج في بداية القرن السابع عشر.[7] لقد أثر ذلك في جيل كامل من الفنانين[8] وخاصة الأخوان Van de Velde.
تزامن أوج الرسم البحري، في نهاية الأمر، مع رسم المشهد الخالص في الرسم الهولندي الذي برز فيه فنانون كبار[9]. ثمة هولندي آخر هو بول بريل Paul Bril، استقر بإيطاليا قبل 1700، وقد نقل صدى تجربة بروغل إلى المشهديين الكلاسيكيين ؛ ووانتقلت بواسطة تلميذه أغوستينو تاسي Agostino Tassi, ، إلى كلود لوران Claude Lorrain. بينما يرسم هذا الأخير، الشواطئ المشمسة خاصة. أما النابولي سلفاتور روزا Salvator Rosa فقد أذاع في رومة نموذجا أكثر حركية، برسمه الآفاق الكئيبة، التي تأثر بها Tempesta، فبعد إقامته بـLombardie، أثر هذا الأخير بدوره في فنانين من البندقية[10]، وقد ساهمت أعماله إلى جانب أعمال آخَريْن[11] في ولادة نسخة خاصة بالبندقية لمشهد عمراني وبحري تحت عنوان La Veduta.
وفي فرنسا، طور جوزيف فرني Vernet تجربة كلود لوران في سلسلة الموانئ الفرنسية، إلا انه رسم أيضا البحر هائجا والأعاصير على الماء. كتب ديدور : "إذا أثار العاصفة، ستسمع صفير الريح وخوار ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ